نحن كائنات لا ينبغي أن توجد حسب قانون الطبيعة، فنحن أشياء تكدح وتجتهد مدفوعة بوهم امتلاك الذات، برمجتنا مشاعرنا وخبراتنا الحسية بتأكيد تام على أن لكل منا أهميته، بينما في الحقيقة لا أهمية لأحد، لذلك أعتقد أن رفض برمجتنا هو أنبل ما يمكن لجنسنا فعله، بأن نكف عن التناسل، نتوقف عن إعادة الإنتاج، نساعد بعضنا على الانقراض».
بهذه الكلمات التي تضمنتها إحدى مشاهد مسلسل «True Detective»، لخص الممثل الأمريكي «ماثيو ماكونهي»، والذي كان يؤدي دور المحقق «روستن كول»، وجهة النظر التي تبناها طوال حلقات المسلسل، وسعى لإثبات صحتها، والمتمثلة في «اللاإنجابية».
تعود الفلسفة اللاإنجابية إلى زمنٍ بعيد؛ إذ ظهرت على سبيل المثال في تاريخ اليونان القديم، وتحديدًا في أعمال الروائي والمسرحي اليوناني «سوفوكليس»، وكانت تُطرح في صور متعددة مرتبطة بالتشاؤمية، والعدمية، وتطورت بعد ذلك لترتبط بالشفقة على واقع الإنسانية الذي لا يحتاج لمزيد من الضحايا الجدد.
مؤخرًا بعدما أصبح الواقع العربي يعاني من الحروب، والصراعات، والمجاعات، طُرحت اللاإنجابية بوصفها حلًا يساعد في تقليل الخسائر، بل أصبح يُنظر أحيانًا إلى الآباء الذين ينجبون في مثل هذه الظروف غير المأمونة، بأنهم أجرموا في حق أبنائهم، فإذا كانوا لا يضمنون لأنفسهم أدنى متطلبات العيش، فكيف يسعون لانجاب أجيال جديدة تتجدد معهم نفس المعاناة، وربما أصعب؟!
الذكيات يمتنعن عن الإنجاب
توصل الباحث الياباني الدكتور «ساتوسي كانازافا»، المتخصص في علم النفس التطوري بجامعة لندن، إلى وجود علاقة تربط بين ذكاء المرأة ورغبتها في الإنجاب، فقد لاحظ أنه مع زيادة معامل الذكاء لدى المرأة بمقدار 15 نقطة، فإن رغبتها في الإنجاب تنخفض بنسبة 25%، وعلق «كانازافا»، على ذلك قائلًا: «إن جميع الكائنات الحية مصممة على التكاثر، عدا الإنسان، والذي نتيجة تطور عقله يستطيع اتخاذ قرارًا بالتوقف عن ذلك».

وجد الباحث الياباني أثناء إجراء دراسته أن المرأة الذكية على ما يبدو لا تمتلك الرغبة في مواصلة الخطوات الروتينية للوصول للهدف النهائي من الوجود البيولوجي، ويرجع ذلك إلى أن النساء الذكيات تكن احتمالية مواصلة تعليمهن العالي أكثر من غيرهن، وبالتالي ينخرطن في الحياة المهنية، والتي تفرض عليهن نمط حياة معين قد يكون غير ملائم لأخذ خطوة الإنجاب.
ويمكن الاقتناع بصحة هذا التبرير من خلال استعراض آراء السيدات اللاتي شاركن في الدراسة، فقد ألمحت بعضهن إلى أن مواعيد العمل الحالية جعلت من وجود طفل أمرًا غير مرغوب فيه، بينما أرجعت سيدات أخريات اتخاذهن هذا القرار إلى أنهن بكل بساطة ليس لديهن أية رغبة في إنجاب أطفال، ولكنهن في النهاية أجمعن على مواجهتهن باستمرار لمواقف تتطلب تبرير قرارهن بعدم الإنجاب؛ مما جعلهن يتساءلن عن السبب الذي يدفع الآخرين لتجنب السؤال عن لماذا لديكِ أطفال؟ بدلًا من تكرار التساؤل عن لماذا ليس لديكِ أطفال؟
أما عن انتشار اللاإنجابية بين السيدات الأمريكيات بلغة الأرقام فقد كشف المسح السكاني لمكتب الإحصاء الأمريكي عام 2014، أن 47% من النساء بين سن 15 و444 عامًا، ليس لديهن أطفال، وذلك يمثل ارتفاعًا عن عام 2012، إذ بلغت النسبة حينها 46%، وهذا يجعل النسبة التي ظهرت في عام 2014، أعلى نسبة لنساء ليس لديهن أطفال، منذ بدأ المكتب إنشاء قاعدة البيانات عام 1976.
الإحصاءات تؤكد أن المواليد الجدد لن يحظوا بحياة جيدة
يستند مؤيدو الفلسفة اللاإنجابية إلى العديد من الحجج التي يؤكدون من خلالها منطقية قرارهم، في مقدمتها أن العالم لم يعد يسع المزيد من الضيوف الجدد، فعلى سبيل المثال كان عدد سكان قارة إفريقيا 133 مليون نسمة في عام 1900، ومن المتوقع أن يزيد هذا الرقم ليصل في عام 2050 إلى مليار و766 مليون نسمة، في حين أن الموارد الأساسية تتراجع بشكل مخيف، وسيظهر ذلك بشكل جلي عام 2025 فلن تستطيع القارة السمراء إنتاج سوى 25% فقط من احتياج سكانها، وفقًا لمعهد المواردالطبيعية التابع لجامعة الأمم المتحدة في غانا.

ويبدو أن عالم الفيزياء الأمريكي «هنري واي كيندل»، الحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1990، تنبأ بهذا الوضع الكارثي بقوله: «لو لم نسيطر طوعيًا على نمونا البشري خلال العقد أو العقدين المقبلين، ستقوم الطبيعة بهذه المهمة نيابة عنا، ستقوم بذلك بطريقة قاسية، والموضوع سيكون خارج إرادتنا حينذاك».
جانب آخر من الجوانب الهامة التي تدعم الفلسفة اللاإنجابية هو الوضع البيئي الذي يتجه من سيئ لأسوأ، ففي يونيو (حزيران) 2016 أظهرت نتائج دراسة مشتركة أجرتها جامعات «ستانفورد»، و«برينستون»، و«بيركلي»، أن التدهور الصحي الذي تعيشه الكرة الأرضية تسبب في دخولها الحقبة السادسة من الانقراض واسع النطاق، وسيكون البشر في مقدمة ضحايا هذا التدهور.
لذلك دعت دراسة للمركز الدولي للتنوع الحيوي، إلى وضع اللاإنجابية ضمن الحلول المقترحة لمواجهة هذا التدهور البيئي، وأكدت الدراسة أنه إذا ما بذلت امرأة أمريكية أقصى جهدها للحفاظ على البيئة بإعادة تدوير النفايات، وقيادة سيارة صديقة للبيئة، والعيش بمنزل يعمل بنظام طاقة مكتفِ ذاتيًا، كل ما سبق سيؤدي في النهاية لوقاية الغلاف الجوي من انبعاثات 486 طنًا من ثاني أكسيد الكربون طيلة حياتها، بينما لو أخذت قرارًا بالامتناع عن إنجاب طفل واحد فقط فستكون بذلك وفرت انبعاث 9441 طنًا، وهو ما يعادل عشرين ضعف الرقم الأول تقريبًا.
من العوامل المؤثرة أيضًا في جعل مستقبل المواليد القادمين لهذا العالم لا يبعث على الطمأنينة، التكلفة المادية لتربية الأطفال في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية، إذ أكدت دراسة أجرتها دائرة إدارة الزراعة في الولايات المتحدة عام 20144، أن تكلفة تربية طفل واحد في أميركا بلغت ربع مليون دولار كمتوسط، في عائلة متوسط دخل، وهذا على مدار الثمانية عشر سنة الأولى، وذلك يعني أن الأسرة ستسند إلى الطفل مسؤولية تأمين حياته الجامعية لو رغب استكمال دراسته




0 تعليق على موضوع : الفلسفة اللاإنجابية.. لماذا لم يعد العالم في حاجة لمزيد من الأطفال؟
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات