الأديان والحداثة.. بداية التحرر من الماضي
الأديان في الزمن الحديث في أسوأ حالاتها فالغشاوة على العيون ابتدأت بالانكشاف والنظر ابتدأ بالوضوح والقداسة التي مُنحت في السابق للظواهر والرجال والأشياء حتى الجامدة منها أخذت بالذوبان والتهشم.
ميدل ايست أونلاين
بقلم: سلام حربة
الحداثة مفهوم تاريخي ثقافي ارتبطت مع عصر التنوير، عصر العلم ومنطق العقل والذي احدث ثورة في النظر الى كل الظواهر طبيعية كانت أم ذاتية ، الحداثة ليست قياساً مجرداً ،بل نتاج مرحلة تاريخية وزمن حيّ في صيرورة المجتمعات، لقد اتبعت الحداثة المنهج التجريبي الحسي تاركة وراءها الميتافيزقيا وتكهنات ما وراء الطبيعة، الحداثة نتاج العقل ،والانسان فيها هو المركز والمطلق وكل ما هو خارج الواقع لا وجود له وعدمي وقامت بفصل الدين عن النظام السياسي وجعلت منه منظومة روحية واخلاقية باهرة وعملت من القوانين والدساتير الموضوعية التي يفرضها المجتمع في كينونته وتشكله البنيوي الهدف الذي تسعى اليه الشعوب في صراعها مع الواقع من اجل تغييره وانتقاله النوعي نحو آفاق تطورية جديدة.
الحداثة لا تقتصر على قطاع دون آخر فهي تشمل الحياة كلها، العلوم والفلسفة والثقافة والاقتصاد ومبادىء السياسة والاجتماع وعلم النفس، الذائقة والمشاعر وتربية الحواس وتغذية الذهن وحتى في النظر إلى الأديان ونصوصها المقدسة، لكن يبقى السؤال هل بالإمكان تحديث نصوص الأديان السماوية وجعلها منسجمة مع أعراف وقوانين الحياة الجديدة في كل عصر ومكان؟
لقد اصطدم هذا السؤال بعدد من الموانع والمحددات وخاصة من قبل الفقهاء السلفيون ورجال الدين المحافظين والذين يؤكدون دائما بأن هذه النصوص الإلهية لن تخضع للتجربة والفحص وأن من قام بتفسيرها وشرح مقاصدها علماء أفذاذ لا يأتيهم الزلل والظلال والباطل وأنهم مباركون ومقدسون وهم من يحفظ هذه النصوص من عبث العابثين والمتصيدين في ماء النصوص من أجل تعكيرها وتضليل الرأي العام بها.
هذه الرؤية الدينية تقف بالضد من الحداثة ومن يومها الأول وهي من اتهمت المشتغلين في مضمار العلم والعقل بالزندقة والكفر وحللت قتلهم والتنكيل بهم وهذا ما حصل في اوربا والصراع الحاد بين العلمانيين والمتشددين الدينيين وتشكيل محاكم التفتيش والتي ارتكبت أبشع الجرائم بحق الناشطين التنويرين، في الجانب الآخر ظهر عدد من العلماء والفقهاء والمفكرين، في القرن العشرين وحتى في أيامنا هذه، والذين حاولوا أن يخرجوا الدين من عزلته في زمن العلوم التكنولوجيا وابتدأوا بوضع المقاييس العقلية للنصوص الدينية والخروج بمعاني ودلالات متحركة تنسجم مع روح العصر وتلبي حاجات المجتمعات الروحية والاخلاقية والشعورية وهنا ظهرت مشاكل كثيرة ربما تفوق المشاكل التي صادفت المشككين الاوائل اذ ان هذه النصوص السماوية أنزلت إلى الأرض وابتدأ التعامل معها، ضمن آليات الحداثة واساليبها التفكيكية ،كما يتعامل النقاد مع أي نص ثقافي شعريا كان أم سرديا أم أي رأي قادم من عالم الفلسفة والفكر ،وهذا ما جعلها تحت مشارط تحليلية لا ترحم فأعادت الكثير من النصوص الى اصول وازمنة تكوينها وحددوا الشروط الموضوعية التي فرضت نزول هذه النصوص وبعثت وبقوة الى الوجود الاساطير والملاحم والقصص القديمة واستعارات الاديان للعديد من الحكايات التاريخية والسير البطولية والاشعار والطقوس والعادات وأسفار الديانات الخرافية في المجتمعات القديمة وتضمينها بين طيات النصوص الأزلية ،كما قامت هذه المناهج النقدية بصياغة تاويلية جديدة للعديد من النصوص كونها لا تتلائم مع متطلبات العصر الحديث وانماط تفكيره وإسقاط الأوهام والتخلف والبدع عنها ولم تبق إلا ما يدعم روح الإنسان ويشد من بنائه الداخلي.
لقد اصطدمت هذه الأمور وهذا النشاط المعرفي والثقافي بجدران المؤسسات الدينية والتي اصبح وجودها مهتزا بسبب تزعزع اليقين الديني عند طبقات عديدة في المجتمعات كافة. لم تدخل هذه المؤسسات الدينية الكلاسيكية في جدل وحوار مع مبشري المعرفة والثقافة الجدد بل اطلقت الفتاوي القاتلة وهدرت الدماء ولاحقت ( المشركين) حتى في الاصقاع البعيدة من اجل القصاص منهم وأبتكرت ابشع صنوف القتل ودست انفها في حياتهم الاجتماعية وطلقت نساءهم منهم وما زال الصراع محتدما وخاصة في الألفية الثالثة والذي ابتدأ بالحروب الدينية والمذهبية بين الشعوب وبين طوائف الشعب الواحد وما زالت النار مستعرة وتزداد اوارا حتى يومنا هذا، الأديان في المجتمعات المتحضرة الحديثة اصبحت قصصا ومواعظ وبلاغة لا تدهش وليست بقادرة على حل اية معضلة علمية كانت أم اجتماعية، قد يحتاجها الانسان في ان تدعمه روحيا وتعيد توازن خطاه أو يتجاهلها لأنه وجد في افق العلم واكتشافاته ما يبعث على التطمين والاستقرار النفسي والروحي.
ليس هناك من أفق التقاء بين الحداثة والحقيقة المطلقة فكل الظواهر والاشياء في الكون في صيرورة دائمة وما كان حقيقة اليوم فانه غدا سيتبقع بالشك وما كان صحيحا قبل خمسين عام تشرب اليه الخطأ بعد ذلك وابتدأ العلماء في البحث الجدي عن حقائق واكتشافات جديدة، وحتى الحداثة فانها تتبدل ولا يمكن ان يسري هذا المفهوم الى ابد الابدين فخلال عقد او عقدين من الزمان ظهرت مفاهيم جديدة تنفي الحداثة وتأسس لما بعد الحداثة لان التغيير الذي شمل الحياة والكينونة البشرية لم يعد يستوعبها مفهوم ثقافي مؤطر بضوابط معينة والعلوم التكنولوجية منفلتة في اكتشافاتها وتقترب من الغرائبية والمستحيل واللامعقولية وهذا ما استدعى للانتقال الى حلقة مفاهيمية جديدة تستوعب هذا التحول والانفجار في التقنية والمعلومات، حتى ان العلماء في السنين الاخيرة وجدوا صعوبة في تشخيص المرحلة التاريخية واجتراح الاطر المناسبة لها.
أمام هذا التطور التقني المفاهيمي كيف يجري التصرف مع نصوص ثقافية قبْلية تحمل قداستها الذاتية ومعبئة بالدلالات البلاغية والعلمية والباسها ثوب التجديد في هذا الزمن الغريب الذي خضع فيه كل شيء الى مشرط التجريب والتناص والتحليل السردي والاحالات التاريخية؟ ليس هناك من كلام ومن معاني سرمدية صامدة أبد الدهر وليس هناك من ثابت أبدي بل الكون في حالة تحول دائم ليس في مجال اللغة فقط بل في كل مظاهر النشاط الإنساني والطبيعي، الأديان في الزمن الحديث في اسوأ حالاتها الصحية، والغشاوة التي زغللت عيون البشر لعشرات القرون ابتدأت بالتبخر والنظر ابتدأ بالوضوح والتكشف والقداسة التي مُنحت في السابق للظواهر والرجال والاشياء حتى الجامدة منها ابتدأت بالذوبان والتهشم امام مطرقة العلم التي يبدو ان لا شيء يصمد امام هول سقوطها، الزلزال ضرب أقطاب الأرض الأربعة وأسرار ما وراء الطبيعة وعوالم الغيب اللاهوتية لم تعد تغري بالبحث والتقصي، العقل العلمي هو رب المجتمعات الذي يجب ان يخشع له الجميع ويأتمر باحكامه وفتوحاته، البلدان المتخلفة في العالم الثالث هي من وقفت في وجه الحداثة، لانها ستزعزع عروش المؤسستين الدينية والسياسية ولذلك فقد عمدت هاتان السلطتان في هذه البلدان الى ابقاء الواقع الموضوعي على ما هو عليه وتهشيم كل المرتكزات البنيوية والحضارية والقانونية وكل الممكنات التي قد تنقلها الى مصاف البلدان المتقدمة.
لقد استعاضت عن العلم باللاعلم وعن العقل باللاعقل واغرقت المجتمعات بالخزعبلات والترهات الفارغة فتورمت الأوطان بالمشاكل والأزمات اليومية المتلاحقة كما انها استعانت بكل القوى، مال وسياسة، والبلدان، أجنبية ومجاورة، والتي تعمل على تجهييل أبناء هذه المجتمعات وتنفيذ اجنداتها الاستعمارية والدينية. لقد انقطعت هذه الشعوب عن الحاضر وثوراته وهي الآن تعيش على مزابل القرون الوسطى وثقافاتها الفاسدة التي لا تشيع سوى الطائفية والكراهية والعنف بين المكونات والألوان الاجتماعية. ستخضع البلدان المتخلفة الى تيار الحداثة اليوم او غدا وستتهاوى المؤسسات الدينية والسياسية الزائفة وينقشع الضباب عن عقول الناس والذي أكل من حياتها المئات من السنين وسيضحك المواطن على نفسه وهو يرنو الى وضعه المشوه البائس.
ما مضى عليه الآف السنين ستذروه الرياح ويسقط في النسيان وسيعمد الإنسان إلى إبتكار عبادات وطقوس وإيمان جديد أكثر ملاءمة للزمن الحديث وللأزمنة الملغومة القادمة.
سلام حربة
كاتب عراقي




0 تعليق على موضوع : الأديان والحداثة.. بداية التحرر من الماضي
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات